|
الطيب
صالح :
عشقت اسكتلندية وتزوجتها . لم أقتلها. وجيني
مورسن خيال. والإبداع مسألة معقدة جداً
خاص/ القاهرة/هادي المحمد
الطيب صالح شخص عذب ليس فقط على المستوى
الإبداعي ولكن أيضا على المستوى الإنساني وعلى مدى تواصلي معه خلال
الثلاثة أيام الماضية بدت هذه السمات واضحة ، روح مرحة وتعليقات ذكية
وثقافة موسوعية.
عندما صدرت روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" اعتبرها البعض انفجاراً في
الرواية العربي . فقد أحدثت صدمة مازال الطيب صالح نفسه يعاني منها رغم
مرور ما يقرب من أربعين عاما ًعلى صدور أولى طبعاتها. ويشيع بأنها
ظلمته كثيرا عندما لا يرى القراء والنقاد أعماله الأخرى : "مريود" "
دومة واد حامد" "ضوء البيت" "عرس الزين" ويعتبر أن الحديث عنها فقط
يشعره بأـنه أصبح مثل "الحقل البور" قلت : إن هناك أسئلة كثيرة تبدو
مملة بالنسبة لك وتشعر دائما بالضيق عندما تسأل عن "موسم الهجرة إلى
الشمال" ولكن ما يحدث الآن في العالم يستدعي أن نتحدث عن هذه الرواية .
فهي رواية تتنبأ بالصراع الدائم بين الشرق والغرب.
*منذ ثمانين عاما كان مصطفى سعيد بطل
الرواية في لندن. لو تخيلنا أنه هاجر الآن وخرج كشخصية ورقية فما الذي
ستكتبه.؟
فقال : "الأفكار الأساسية في الرواية لا تزال قائمة. ومازال
هناك – إن لم تكن مواجهة بين العالم العربي الإسلامي والغرب- سوء تفاهم
. وتصورات خاطئة وأوهام تناقشها الرواية. فالظروف تغيرت وأنا أتصور
الآن لو أردت أن أناقش الموضوع نفسه الآن " ربما لا أختار لندن مكانا
للإحداث لأن أيامها كانت المشكلة – الاستعمار- الآن اتخذ شكلا آخر.
وليس أقنعة أخرى. يمكن أن أضع مصطفى سعيد في مكان آخر، ويمكن أن يكون
شخصا مختلفا. لأن الأسلوب الذي إتّبعه لن يفيد. ولن يكون مؤثرا هذه
الأيام. لا توجد السذاجة للأوهام التي لعب عليها في الرواية".
*ما مكان الأحداث التي يمكن أن يحل مكان
"لندن".؟
في أميركا . في مكان ما هناك . ربما نيويورك. عندما عملت منذ عامين
أستاذا زائرا في إحدى الجامعات الأميركية . أتاح لي عملي أن أتعرف على
بعض الأميركيين من الطلبة. عرفت أن "موسم الهجرة إلى الشمال" رواية
رائجة بين السود الأميركيين" لأن عندهم القضية نفسها وإذا كانت هناك
المعاناة نفسها لديهم. فربما يخرج كاتب ما منهم ويكتب الصراع عينه.
لأنه أدرى بعمقه مثلا لا أستطيع أن أتصور أن يكتب أحد عن الرق في
اميركا ويصور عذابات الرقيق كما تكتب الكاتبة الأميركية السودا "توني
موريسون" الآن يمكن أن أكون بروايتي قد ألقيت حجرا في بركة ويأتي من
بعدي من هم أقدر على تصوير الصراع.
*ماذا عن الأحداث هل ستظل كما هي .؟
الأمور ستختلف قطعا. أصبح الغزو- كما يقول مصطفى سعيد "جئتكم غازياً" –
ليس عن طريق الجنس- فالجنس كرمز أدى دوره. الآن الشباب العربي والمسلم
يذهب إلى الغرب في غزو من أجل الحياة. للعيش. يدخلون في قضايا حياتية،
ومنهم من ينجح ومنهم من يفشل. ومنهم أيضا من يدخل- بطريقة مبسطة- في
شيء قريب من مشكلة مصطفى سعيد. لكن الآن الموضوع تشابك وتعدّد!
*هل سيتاح لمصطفى سعيد 2006 النبوغ الذي أتيح
لسميه في العشرينيات.؟
ممكن . الأهداف مختلفة ، هناك عرب نابغون في أوروبا وأميركا. لأن هذه
المجتمعات تريد أن تستفيد من الطاقات مهما كانت . مصطفى سعيد نجح في
الماضي لأنهم احتضنوه واعتبروه رمزاً للعالم الاستعماري. ولكن يجب أن
أؤكد أنه حتى في هذه البلاد التي كانت مستعمرة. وحتى في امريكا نفسها
هناك ناس شرفاء يناصرون قضايا المضطهدين ويناصرون القضية الفلسطينية.
يعني الأمور متشابكة الآن بكثافة.
*عندما يقتل جيني مورسن . هل تعتقد أن الحكم
سيكونكما كان من قبل. وسيعود إلى بلده أم أنه سيعدم.؟
لقد خرجت من العمل الروائي. وصعب عليّ جداً أن أقول:"كيف يمكن أن تسير
رواية بهذا المعنى" لا بد أن أجلس وأفكر وأرتب الأحداث والشخصيات.
موضوع الحكم في "موسم الهجرة" استشرت فيه قانونيين وقمت بدراسات كثيرة
في ما يسمونه "القتل بسب العشق". الله أعلم كيف تسير الأمور، أنا نفسي
تغيرت. أنا كبرت الآن بنحو أربعين عاما، وما عدت أنظر إلى الأمور
بالمنظار نفسه. وإن كانت الأشياء الأساسية في رؤيتي لم تختلف. ولأنها
حية فهي تنتج. أنا أعتقد مثلا أن المجال الإبداعي العربي في حالة
ازدهار خلال الأعوام الخمسين الأخيرة. وفي كل بلد هناك روائي مهم
والقاري العربي المهتم يستطيع أن يقرأ لكتاب من موريتانيا وتونس
والخليج.
* وما هو تقييمك لدور المثقف في اللحظة
الراهنة.؟
- مرة أخرى نحن نحمل المثقف أكثر مما يحتمل. يكفيه أن ينتج أصلاً،
لماذا نريد منه بعد أن ينتج أن يصبح سياسياً . وهذه دعوة باطلة ليس
فيها أي فائدة. العكس هو الصحيح. الثقافة يجب أن تكون مؤسسة مستقلة
مثلها مثل القضاء. وتكون قادرة على التأثير على أماكن اتخاذ القرار .
وهذا يفترض أن متخذي القرار يسمعون لما يقوله المثقف. وهذا يحدث بدرجات
فد لا نجدها كافية. إنما هناك انفراجا.
* وماذا عن علاقتك بشخصيات أعمالك.؟
- لا أظن أن لي علاقة بهذه الشخصيات.
* لا أقصد التقاطعات.. هل هي شخصيات حقيقية لها
جذور، أم أنها نبت من خيالك.؟
- مرة أخرى الأشياء لا تأتي من فراع، أنا أزعم بأن هذا فن ليس تصويراً
للواقع. ولكن لا بد أن هذه الشخصيات تأتي من أشياء مترسبة في اللاوعي.
ويمكن أن يكون لبعض الشخصيات أصول واقعية. لا أدري. وأنا – كما أقول
دائما- أترك الواقع يتحول إلى حلم. أنسى حتى لو كان هناك شيء حقيقي قد
حدث. أنسى مصدره فيتحول من الخيال إلى حلم.
* في "موسم الهجرة" ربط كثير من النقاد بنك وبين
مصطفى سعيد. على الرغم من وجود الرواي.. أيهما أقرب لك.؟
- القاري دائما يحاول أن يربط الشخصيات الخيالية بالكاتب. لأن هذا
بالنسبة له إخلاء طرفه من المسؤولية. فحين يقول القاري"إن الكاتب هو
البطل وانتهى الأمر" . أنا لست أيا من شخصياتي. ولكن عندما أنظر إليها
أنا أقرب للراوي. ويمكن أن يكون للجد في موسم الهجرة ملامح من جدي.
وإنما كل شيء في الرواية خيال.!
* هل عشقت يوما ما إنجليزية.؟
- عشقت اسكتلندية وتزوجتها. لم أقتلها. جيني مورسن خيال. والإبداع
مسألة معقدة جداً.
* حضرت مؤتمر الثقافة العربية الأخير في القاهرة
والذي يطالب بخطاب ثقافي جديد. هل تعتقد أن الخطاب الثقافي في أزمة. أم
الأزمة في أزمة خطباء.؟
- أنا دائما حين أواجه بكلمة "أمة" في الثقافة العربية أصاب بحيرة لأنه
لو كانت هناك أمة.. معناه أنه لا توجد أصلاً ملامح من عناصر الثقافة .
هذا ليس صحيحا. دائماً أقول: إنه لو كانت لدينا أزمة. فهي أزمة أننا
نتوق إلى أنواع الدنيا. وعندنا أزمة الهيمنة الأجنبية بأشكال مختلفة
سواء اقتصادية أو سياسية أو عسكرية . لكن الأمة العربية لم تمت.
|