"الحلقة الثانية"


***مدخل :\
في العدد الماضي استعرض
الأستاذ مصطفى يوسف شيئاً من تاريخ الرواية في السودان
ومؤثرات أدب الطيب صالح وهنا يواصل ما انقطع من حديث
فلسفة الكتابة عند الطيب صالح ,,
ليس
أدل على فهم الإنسان والغوص في أعماقه ودواخله، من
الكلمات التـــي ( يتفوه ) بها في لحظة صدق أو تجلٍ ..
فهي المعبر الوحيد عن مكنون ذاته .. والطيب صالح هذا
الأديب الذي خرج علينا بسرعة الصاروخ، منطلقا كما
السهم من الوتر ..
لاتزال أعماله تحدث كل يوم ( هذا ) الأثر الصاعق حولها
.. فما من منتدى أو حلقة نقاش أو مؤتمر إلا وكان الطيب
القاسم المشترك فيه .. أديب يعرف كيف يختار كلماته
بدقة وعناية يحسد عليهما .. يتحدث كما يكتب .. يأتي
حديثه كما كتاباته عميقة حلوة .. تأتلق حروفه في سماء
المتعة .. وتتوهج معانيه بالمعرفة والعلم .
وكاتب هذا حاله، وهذه طريقته في الحديث والكتابة، لا
شك أنه يحتاج إلى عناية فائقة .. فالطريق إلى معرفته
ليس سهلاً .. وهذا لا يدل على أنه صـعب الفهم .. لا بل
هو طيب كاسمه .. بسيط بساطة أهــــل الأرض التي
أنــجبته ( السودان ) .. لكن هذا يعني الخوف من ولوج
عالمه دون فهم عميق .. فالكتابة عنه يجب أن تأتى في
مستوى أعماله وفي ( سخونة ) شخصياته وفي بساطة نفسه
دون ابتسار .. واعترف أن الخوف قد تملكني .. واعترتني
الدهشة وأنا أحاور نفسي زمناً ليس بالقصير عن الكيفية
التي أتناول بها الطيب صالح والأسلوب الذي اقدم به ذلك
.. مخافة أن اقدم عملاً مشوهاً ،ذلك مع تسليمي أن
الإبداع عملية تستوعب كافة الآراء وتحتوي كل التذوقات
وتظل جاهزة بكل أشكالها على الدوام لاحتواءالمزيد
والمزيد من الإحكام ..
سأحاول بدءاً أن اقف عند فلسفة الطيب صالح في الكتابة
وفي أشياء أخرى حتى أجد الضوء الأخضر الذي يعين على
فهم أدبه وفهم نفسه والولوج إلى عالمه الفسيح .. لأنني
أؤمن أن الأديب الذي ينطلق من رؤية واضحة للأشياء وفهم
عميق للعلاقات التي حوله ومن فلسفة تضع كل شئ في نصابه
.. مثل هذا الأديب لابد أن يقدم أعمالا لا يستطيع
المرء إلا أن يقف عندهاا بالدوفيق والتمحيص لأنها تحمل
كماً هائلاً من المعرفة والمتعة، ولابد أن ينحنى
إجلالا وتقديراً لها .. وأعمال الطيب صالح تقف شاهداً
على صواب فلسفته وعمق فكره وبإحاطته الشاملة لمجمل
العلاقات التي تحكم وتتحكم في الوسط الذي يحيط به ..
ويتعايش معه ويحاوره 00 كل الذين قرأوا أعماله - لأول
مرة – أدركوا هذه الحقيقة فتملكتهم الدهشة .. وأنا
منهم ..فقد حلق بي هذا الأديب في سماوات من الجمال
وأسرني بأسلوبه وطريقته في التناول والعرض.. فأنت تجد
في كتاباته القديم والجديد ..التراث والتاريخ .. الرأي
والموقف.
ولعل
المدخل السليم إلى فهم فلسفة الطيب صالح في الكتابة هو
محاولة فهم الشخصية السودانية ذاتها .. ولأن المجال لا
يتسع هنا لبسط كل ملامح وسمات هذه الشخصية، فإنني
سأتوقف عند ( أس ) هذه السمات وهو الزهد .. فقد عُرف
عن هذه الشخصية زهدها الشديد ولعلي أجد لذلك تفسيراً
في تاريخ هذه الشخصية .. فبعد دخول العرب الإسلام إلى
السودان، انتشرت فيه الطرق الصوفية التي تلائم أسلوب
الحياة المتقشفة كما تلائم طبيعة السوداني .. انقطع
هذا الإنسان - الصامد رغم قسوة الطبيعة والحياة – إلى
العبادة والزهد في كل شئ .. ومع استمرار الحياة صار
الزهد طابع هذه الشخصية ..ولا يزال الزهد هو الطابع
العام لها إلـــى اليوم ..نلمس ذلك في جميع مظاهر
الحياة اليومية .
انعكس
الزهد في مظاهر الحياة الإبداعية ، فأصبح النفر من
هؤلاء لا يكتب إلا عندما يبلغ السيل الزبى .. كما انه
لا يهتم بنشر ما يكتب .. وهذا يفسر لنا جانباً من ضعف
حركة النشر بالسودان على المستوى الرسمي وعلى مستوى
الجهود الفردية .. أقول ذلك على الرغم من غنى الحركة
الإبداعية وتفردها .. فقد قدم السودان قمماً أدبية
وفكرية لاتزال ترفد نهر الإبداع العــربي بالجديد –
القديم ( رغم قلة المنشور منه ) .
رضع الطيب صالح - كغيره من مبدعي السودان - هذا
الزهد المتأصل في التاريخ ، فأصبح زاهداً في الكتابة
..لا يكتب لمجرد أنه يريد أن يكتب .. فقل إنتاجه وبلغت
أعماله حتى الآن ثلاث روايات وبضع قصص، إلا أنه هذا
الإنتاج القليل يتفرد بصــفات وخصوصيات يندرأن تتوفر
في روايات وقصص أخرى .. مرة كتبت عنه الأديب السورية
غادة السمان تقول(هوأديب غير عادي.. فقط لو يكتب ) ..
يرى الطيب صالح أن الكتابة لحظة .. فأما أن تستغل
أو تضيّع .. وهي اللحظة التي يأتيه فيه الإلهام ..
وتتدفق عليه الأحداث .. وتتدافع نحوه أبعاد وتفاصيل
وتضاريس الشخصيات .. وهي لحظة لا تقاوم عنده .. لذلك
يظل مدفوعاً نحو الكتابة بكم هائل مما يعتمل في دواخله
دون تكلف ودون توعر .. تأتى كتاباته كأطياف الشعر ..
سهلة حلوة .. فيتأثر وفقاً لهذه الحالة الأسلوب .. فلا
غرابة ولا لجوء للمحسنات اللفظية والبديعية .. بل
السهل الممتنع الذي تشعر به قريبا منه ومن وجدانك
وفهمك .. بعيداً عنك وعن إمكانية تناولك .
فلسفة الطيب صالح في الكتابة تنبني على ادراك
بأهمية التراث والموروث القديم في عظمة وجدة الحاضر ..ولذلك
يبدو في كتاباته في حالة حوار دائم مع القديم في كافة
المجالات .. ولو دققنا النظر جيداً في ( موسم الهجرة
إلى الشمال ) لأطل أبو العلاء المعري وأبونوس وأحمد
شوقي وآخرون من بين السطور .. مما يعني الارتداد نحو
الجذور العربية والاحتماء بهيكلية القديم في تشكيل
الجديد .. يعرف كيف يوائم بين البيئة القديمة والبيئة
التي تتحرك فيها أبطاله وشخصياته إلى الدرجة التي
تجعلك تحس بكل شئ وكأنك تعيشه وتراه .. أنا شخصياً
عندما أقرأ رواياته وقصصه اشتم رائحة اللوبيا والنخيل
وارى الفلاحين وهم ينهمكون على زراعة الأرض وفلاحتها
.. تتجسد أمامي ارض الشمالية بكل تفاصيلها وعطائها ..
لوحة لا تجسدها إلا ريشة فنان ..
الطيب صالح في كتاباته يشعر بأنه مقيد ككل أدباء
الشرق بشيء ( ما ) في الدواخل .. ربما يكون هذا الشيء
حدود الدين أو العرف والعادات أو التقاليد .. فقد
أجريت له عام 1987م محاكمة أدبية في الخرطوم –
نظمها اتحاد الكتاب – اتهم فيها بأنه اقتحم المناطق
المحظورة وادخل الجنس في القرية ، فقال إنه كان ينقل
واقعاً .. واردف يقول ( الكتاب في الغرب يستطيعون أن
يقولوا كل شئ ، فلا أفق يحدهم ) .. ومعنى هذا الحديث
أن الكتاب في الشرق – وهو فهمه – لهم ما يؤطر أفقهم
ويحد من انطلاقتهم في التصوير .. وفي الاستفادة من كل
ما هو متاح .. ورغما عن ذلك لا يزال الطيب صالح متهماً
بالجرأة الفائقة في استخدام الجنس في نصوصه .. وأنا
أستطيع أن أقول ان ذلك يتم للاستفادة منه في فنية النص
.. وان الجنس لا يقحم في النص باعتباره تذويقاً له مثل
ما يفعل الآخرون .. ولو رجعنا إلى روايته ( موسم
الهجرة إلى الشمال ) وهي الرواية التي استخدم فيه
الجنس كثيراً، لوجدنا أن له غاية في النص وهي توضيح
الفارق بين الجنس الذي مارسه مصطفى سعيد في لندن
كأسلوب وسلاح للغزو والانتقام، والجنس الذي مارسه بعد
رجوعه للسودان باعتباره وسيلة وطريقة لاستمرار الحياة
( يرى الطيب صالح ان الجنس موجود في التراث العربي ..
خاصة الشعر ) .
الطيب صالح عندما يكتب فإنه ينتصر على معوقات كثيرة،
منها ما هو نفسي، وما هو اجتماعي ( لأنني كانسان عادي
غير راغب في الغوص في أعماق نفسي ..أريد أن أعيش على
سطح الحياة كسائر الناس ) .. ولهذا، فالطيب صالح يفرق
بين الإنسان العادي والكاتب الذي يجب عليه أن يغوص في
أعماق نفسه ليخرج لنا هذه الكنوز واللالىء ، وهو
عندما يمارس حياته كانسان عادي فلا يهتم كثيراً بالبحث
في تفاصيل الأشياء وعلاقاتها .. أما عندما يكتب فانه
يتعمق ويغوص في العلاقات بين الأشياء ويربط بينها
ولذلك فنحن نحس في إنتاجه بهذه الكثافة والغنى والعمق
ومحاولة استكشاف ما هو كائن خلف ما هو بادٍ .
( مشاكلي النفسية مرتبطة بعملية الكتابة فقط ،
لأنني أغرق في ينبوع داخلي عميق وهذا الينبوع هو منطقة
الفوضى .. الفوضى هي أن يصبح كل شئ محتمل، وكلما أوغل
الكاتب داخل نفسه بحثاً عن الضوء كلما ازدادت الفوضى
.. ثم تأتى مرحلة تستقر خلالها عملية الخلق فيتضح
الطريق وقد يكون خطأً أو صحيحا ..المهم في اللحظة
نفسها يكون هو الضوء ).. لذلك فإن عملية الخلق عند
الطيب صالح تعني التوغل في منطقة الفوضى ،بحثا عن
الضوء فيتوه ويفصل عن هذا العالم بحثا عن التضاريس
التي تحدد تفاصيل عمله الجديد ..وقد أحسسنا بذلك في
موسم الهجرة إلى الشمال ،عندما اختلط الحلم والواقع
والحقيقة بالخيال وتحول التاريخ إلى قواد وتبادلت
الشخوص الأدوار ..
ولعل هذا يفسر الانسجام والتجانس في المشاهد التي
يصورها
والإتساق بين كلماته وجمله إلى الدرجة التي تجعل
القارئ يلهس وراءه لهاثاً .. ووفقاً لحديث الكاتب هذا
فإن الكتابة هي الضوء الذي ينير للناس دياجير حياتهم
ويخلصهم من الظلمة التي يعيشونها .. فالكتابة توجه،
تقود، تنير الطريق، وهذه غايات لا يصل إليها ويدركها
إلا من أدرك معنى عملية الكتابة والإبداع ..و يتسق هذا
مع ما يجريه الكاتب من حوار على ألسنة بعض أبــطاله..(
سنهزم الفقر ونخضع الشمس ذاتها لارادتنا ) ، إذن
للكاتب قضايا يعمل من أجلها وأهداف يناضا من أجل
تحقيقها والكتابة هي وسيلته في ذلك .. فهي تحرك
العقلية وتهيئها لتقبل الجديد من الأفكار والرؤى .
( كل أنواع الكتابة بغيض إليٌ وأنا لا اكتب إلا إذا
بلغ السيل الزبى) .. فإذا تساءلنا هنا يا ترى ما سبب
هذا البغض ؟ .. تكون الإجابة أن ذلك يعود إلى الزهد
الذي تتميز به الشخصية السودانية التي لا تسعى إلى
الشهرة والمجد بقدر سعيها إلى الرغبة في حياة مستقرة
هادئة سعيدة ..ورغما عن ذلك فإن الكاتب يجد نفسه
مدفوعا للكتابة مرغما عليها لتوضيح شئ أو لتجسيد موقف
أو لإعلان رأي .. وهذا يكشف لنا أن الكتابة عند الكاتب
ليست ترفاً أو تسلية، بل لها أهدافا ومرام تتجاوز
مصالح الكاتب إلى غايات إنسانية تخدم الفكر الإنساني
وتساعد في ثراء التجربة الإنسانية .. وهذا هو قمة
الإحساس بالمسؤولية عن الكتابة التي ينبغي ألا تمارس
لمجرد تزجية الفراغ أو قتل الوقت، بل يجب أن تمارس
لاهداف وغايات أسمى وأكبر ..ولذلك فإن روايات الطيب
صالح وقصصه تتكثف فيها المعارف وتتقاطع فيها الثقافات
وتتنوع فيها الرؤى وتتجدد فيها المواقف بدرجة يحار
المرء فيها .. ومرد ذلك كما أرى يعود إلى إدراك الكاتب
لوظيفة وغايات وأهــداف عملية الكتابة ..
( إن للفـن غايات تثقيفية جماهيرية وهو عنــده جزء
متمم للأبعــاد الفكــرية ..وصورة ما هو كائن في الفن
لا تنفصل عن صورة ما سيكون ومن يرفض الماضي بكليته هو
اعجز عن بناء المستقبل والحاضر.. ولكن الطيب صالح وهو
يصيغ هذه الأفكار يشخصها بحيث تبدو وكأنها قصة سيرة
ذاتية ..) ولهذا فقد قلت ان الكاتب شديد الاعتداد
بالماضي والتراث .. يعرف جيداً ما لهما من أدوار
وأبعاد في تشكيل الحاضر ورسم آفاق المستقبل .. كما أن
في هذا التراث الإجابة على العديد من الأسئلة التي
تؤرق بال الحاضر وتحاصره .
ويمكننا اعتبار أن فعل الكتابة عند الطيب صالح
تعبير عن قلق عميق يعيشه مثقف إفريقي في زمن أصبح
مطلوبا منه وبسرعة تحديد المــسار والطريقة والوجهة ..عليه
أن يختار نمطاً في التفكير والعيش والنظر إلى الآخرين
.. وهذا هاجس يحفز على الإبداع ويطرح أمام الكاتب
قضايا مصيرية ملحة تتطلب إعلان الرأي عنها بشجاعة ..
بعد هذا نتعرف على لسان الطيب صالح على الذين تأثر
بهم .. يقول الكاتب إنه تأثر بكل من مصطفى صادق
الرافعي .. طه حسين .. أحمد ذكي .. إبراهيم عبد القادر
من مصر .. جمال محمد أحمد ..والمرحوم أحمد الطيب من
السودان .. مارون عبود من لبنان .. محمود السعدي من
تونس .. ويعترف أنه مدين بصفة خاصة لأستاذه جمال محمد
أحمد.. ومن الأجانب يقول إنه تأثر بشكسيبر وجوناثان
سويفت وكنراد وفوكنر وتعجبه الرواية الإنجليزية في
القرن التاسع عشر بشكل عام.
وبالرجوع إلى الرواية الإنجليزية في ذلك الوقت نجد
أن سماتها انحصرت في الدفاع عن قيم الريف الإنجليزي
وتحصينه ضد حضارة المدينة وشحن الإنسان بالاهتمامات
الشاملة لتغييره إلى إنسان افضل. والعمل على تحطيم
القيم البالية ..و دراسة النفس الإنسانية من خلال
الخلفية الاجتماعية .. ولهذا عرفت سر إعجاب الكاتب بها
، لأننا في رواياته نجد شيئاً من هذا وذلك .
الكاتب وهو يمار