|
كتب : طلال الشريف
هل هو اعتراف بعدم شاعرية اللهجة
00
صمت الشعراء من أبناء الجنوب مريبٌ
حقاً ؟!
هل أصبح شعرنا بالفعل ( كله نجد ) ، مغيبين بذلك لهجاتنا وربما حتى
عاداتنا وتراثنا الخاص ، إذ لكل اقليم من أقاليم المملكة تراثه
وعاداته التي تميزه عن غيره ولنأخذ منها كنماذج بارزة على ذلك
إقليمي : الحجاز ، وعسير أو الجنوب عموماً :
الحجاز / وكان الى فترة قريبة جداً يتصدر المشهد الشعري بتراكيبه
البسيطة الغنية ومفرداته المعبرة عن طبيعته من أمتزاجٍ وأختلاط
ثقافات انصهرت منذ زمن بعيد لتشكل له سمة خاصة متحضرة إلى حدٍ ما ،
وليس بها تلك الخشونة والجلافة في اللفظ ، ولا حتى الصور فكل مافي
الحجاز بعيد عن التعقيد ، يتسم بالبساطة ، ويقترب أكثر إلى خفة
الظل وكذا طبيعة أبناء الحجاز أقرب مايكونون في أرواحهم إلى الشعب
المصري ، من حيث حضور البديهة ، والنكتة ، ولباقة التحدث وربما
يعود ذلك إلى كثرة من أستوطن الحجاز من أبناء مصر ، ففي دراسة أن
أغلب أفراد جيش محمد علي باشا إبان حملته أستقر في الحجاز لتعلقه
بها ، وهم ( أي المصريون ) أكثر الجاليات العربية والإسلامية في
الحجاز ، وهذه الجماعات كان لها أثر واضح في طبيعة هذا الإقليم
وأهله الأصليين من قبائله المعروفة ( الحجازية )، فأثرت وتأثرت
فيها وبها ، بالإضافة إلى باقي الجاليات التي أستوطنت الحجاز من
جنسيات مختلفة ، أو قبائل تديّرته من شتى أنحاء الجزيرة العربية ،
فأخذت كل جنسية الأقتراب من الأخرى في كل شيء ضرورة التعايش ، حتى
شكّلت طبيعتها الخاصة بها ( كحاضرة ) ، وكون الحاضرة في أي مجتمع
هي التي ترسم الخطوط العريضة لطبيعتة ، وكونها المتحكم الرئيسي
برؤس والاموال والتجارة ومستلزمات الحياة ، فقد أنعكست طبيعتها تلك
، أو بعضها على قبائل الحجاز فجمعت القبائل بين أصالة القبيلة
كموروثٍ مقدسٍ لديها ، وما يناسبها من روح التحضر والمدنية كضورة
تعايش كما ذكرنا ، ولا نغفل بذلك ما تركته حلقات العلم في المسجد
الحرام والمسجد النبوي من أثر في الثقافة والسلوك وتهذيب الذائقة
ما لم يتوفر لغيرها من الأقاليم في المملكة . الحياة في الحجاز
كانت مختلفة تماماً ، حتى في الناحية العمرانية ، والبناء وفي كل
شيء كل شيء.
كل هذه المعطيات أثرت في الذائقة الحجازية ، فبينما يتغنى شاعر في
إقليم أخر عن صورة لمحبوبته ( راعية الغنم ) أو صاحبة الخدر، أو
المرتحلة من دياره التي جاءتها مع قبيلتها طالبة للماء والكلا ،
يتغنى الشاعر الحجازي بصورة محبوبته ( تطل من روشن ) دارها
المجاورة تماماً لداره ، أو بذكرى لأيام طفولة بريئة جمعتهما في حي
واحد حتى كبر كلٌّ منهما ففرضت عليهما التقاليد قيدها ، حتى شعراء
البادية كانوا متأثرين بتلك الصور أو يتلبسونها من باب التمني ،
وكخيال شاعر ، فبينما يلاقي شاعر أخر محبوبته في المراعي أو عند
الرجم ، يلاقي الحجازي محبوبته في طريقها إلى السوق أو منصرفة من
الحرم ، كثيراً مانجد في أشعارهم ذلك ـ ومنذ أقدم العصور ـ نجد على
سبيل المثال ( المدعى ، القرارة ، العنبرية .... وغيرها ، كأسواق
مشهورة في مكة والمدينة ....)
كذلك كان شعراء الحجاز الأكثر تغنياً بالهم الأسلامي ، والسياسي ،
للتقلبات السياسية المتواترة التي شهدوها إبان الخلافة العثمانية
من تنصيب وعزل للولاة ، ونزاعات على السلطة ، فبعض الولاة لايحكم
الاّ ساعات من نهار ، بالإضافة إلى أنهم يتلقون أخبار العالم
الإسلامي طازجة في زمن معدومة فيه وسائل الاتصال ، من خلال
المتوافدين من حجاج ومعتمرين في الديار المقدسة ، فيتأثرون بها
لاشك وبينهم أفراد من كل قطرٍ إسلامي يحرصون على تلقي أخبار بني
جلدتهم ويتأثرون بها ، ويتأثر بها المجتمع الحجازي ككل فمن بين
هؤلاء الأفراد وأبناء الجاليات الجار ، والصهر ، وعميل التجارة في
السوق ...وهكذا .
حتى من الناحية الطربية كان الحجاز الأسبق إلى تذوق الفن الطربي
بمعناه والإحساس به لنفس الأسباب التي ذكرناها فلكل جالية فنونها
وتراثها الذي تبثه في المجتمع الحجازي ، ويستوعبه ويهذّبه أحينا
ليتفق والذائقة الجمعية لديه ، فالثقافة السمعية أول ماينعكس على
الشعور وبالتالي على لسان الشاعر وإيقاعه .
فكان المجتمع الحجازي كأي مجتمع ينقسم إلى حاضرة وبادية ، وكذلك
الشعراء ، ولو رجعنا إلى تاريخ الأدب السعودي الحديث لوجدنا أول من
تأثر بالحركة الأدبية في العالم العربي ومدارسها من شعراء المملكة
، هم شعراء الحجاز هذا بالنسبة للفصحى ، ولكن ما يهمنا هنا شعراء
العامية . وإن كان قد تأثر الشعر العامي بالفصيح في تلك الفترة حتى
نجد ( بديوي الوقداني ) ينظم قصائده بالفصحى ، ونجد بعض أبيات
قصائد( بركات الشريف) أقرب إلى الفصحى من العامية ، وكذلك شعراء
أخرون .
قلت ما يهمنا هنا هو الشعر الشعبي أو العامي فقد انقسم أيضاً إلى
حاضرة وبادية ، ولو رجعنا إلى فترة قريبة جداً لوجدنا خطاً واضحاً
لشعراء الحجاز في اشعار ( إبراهيم خفاجي ، وثريا قابل ) كحاضرة ،
كذلك لو جدنا خطاً واضحاً لشعراء بادية الحجاز ، من صورٍ وتراكيب
وسلاسة عبارة ومفردات بسيطة ، حيث أهتم الشاعر الحجازي ، ببساطة
المفردة حتى تكون مفهومةً لمجتمعه الذي يعيش به فهو مزيج ثقافات
توحدت لتشكل ثقافة خاصة وسطية ، والمجتمع الحجازي هو أول من سعى
إلى إيجاد (لغة وسطى) بين الفصحى والعامية ليصل إلى مجتمعه بالدرجة
الأولى فكل الجاليات التي تفد إلى الحجاز من عربية وغير عربية تحرص
على تعلم اللغة العربية الفصحى في حلقات الدروس المنتشرة بالحرمين
الشريفين
فشعراء حاضرة الحجاز تأثروا بشعراء باديته والعكس تماماً، متأثرين
جميعهم بشعراء الفصحي ومدارسها كما ذكرنا، متوارثين هذا التأثر
جيلاً عن جيل لينتج عن ذلك أدباً ذو سمة خاصة تميزه عن غيره ، وقد
ساعد الفنانون الحجازيون في نشر هذه اللهجة والتراكيب والصور قبل
أن ينسلخوا من جلدتهم .
فما لبثت الحال أن تبدلت لتطغى المفردة (النجدية) والصور والتراكيب
على الشعر الشعبي عموماً كما ذكر الأستاذ محمد النفيعي بالحديث عن
ذلك في موضع أخر ، وركب موجتها الجميع الجميع إلاّ من رحم ربي .
الحجاز بطبيعته حاضرة منذ فجر التاريخ ، فلماذا أصبحوا جميعهم
بدواً رحل ؟ لماذا يكتبون الشعر باالتأثر ببيئة لم يعيشوها ، لماذا
يتخلف الشاعر ولا أقول يستعير لسان جده عند كتابة الشعر فذاك مجال
أخر قد أشبعه غيري ، بل يستعير لسانا لا يعرف بيئته وطبيعته لساناً
غريباً عليه و ليس بلسان أجداده ؟!
لماذا يلجأ لمرجعية ثقافية غير مرجعيته ، فلغيره العذر أن رجع لها
كصورة من تراثه الإقليمي ، ولكن ما عذر الشاعر الحجازي في رجوعه
إلى تلك الصور ؟!
الجنوب والشعر الشعبي / وربما كان التأثر باللهجة النجدية أكثر
وضوحاً هنا ، والإنسلاخ من اللهجة الإقليمية ـ وليعذرني أبناء
الجنوب في هذا التعبير ـ أشد وانكأ ، إذ أن حديثنا ومثالنا في
الحجاز كان أخف وطأة حيث أن من بين القبائل التي استوطنت الحجاز
قبائل (نجدية) في الأساس ولها أثر لاشك في تكوين ثقافته الخاصة ،
أمّا والحديث عن شعراء الجنوب فيختلف الأمر تماماً .
فاللهجة الجنوبية موحدة ليس بها دخيل ولم تنصهر مع غيرها من
اللهجات . لهجة ومفردات بمجرد سماعها تعرف أنك تخاطب( جنوبياً) ،
ولكن ما نراه اليوم هو تنكر أبناء الجنوب للهجتهم عند كتابة
القصيدة الشعبية تنكرهم تماماً ، فلا نجد من يقول في قصيدة شعبية
مثلاً ( أنْحُن ، أو شلّوك ، أو نفروبك ، أو مغزول ، أو ميد
...وغيرها كثير ) بل نجد ( سم ، و بعد ، واسلوب نجدي في كل مفردة
أو تركيب ) مغيبين حتى موروثهم فلا نجد منهم من يذكر العرضة
الجنوبية على سبيل المثال في قصيدته ، لانجد منهم من يحاول بوعي
تطوير هذا الموروث الشعبي ، بينما نجد السامرية حاضرة عند هذا وذاك
منهم .
اصبحت جميع الصور لدى الشعراء صورة البدوي والمَشاهد عن الصحراء
والإبل ، وشبة النار ، بينما نجد من بينهم مَن كان أجداده أصحاب
حاضرة ومزارع ، وفل وريحان وغصون ٍ رطيبة ، أو حضارة راسخة تضرب
بجذورها عمق التاريخ ، فلماذا يصرون على الجفاف ، والتصحر لا أدري
؟!
لماذا لايكتب الشعراء عموماً في المملكة وشعراء الجنوب خاصة الشعر
بلهجتهم ـ بإستثناء شعراء نجد طبعاً ـ هل ينتقصون منها ؟ أين يكمن
العيب بهم أم بها ؟!
|