عوامل تأخر ظهور الصحافة النسائية في المملكة

 

ما موقع الصحافية السعودية في مجتمعها ؟
وما هي المجالات التي يمكنها أن تمارسها في ظل مجتمعنا المحافظ؟
وأين موقعها في الصحافة العربية عموما؟

                                                                 هدى الدغفق  شاعرة وكاتبة سعودية
أسئلة ينبغي تأملها واعتبار نتائجها . وقبل التطرق إلى ما تواجهه الصحافية السعودية من معوقات لا بد من تناول مفهوم  الصحافة النسائية .. ليتضح من خلال ذلك دلالات هذا المفهوم لدى بعض الباحثين ودارسي الصحافة ، وما يمكن أن يؤدي إليه هذا المفهوم من أبعاد ومعطيات.
مفهوم الصحافة النسائية:
تناول بعض الباحثين في مجال الصحافة المفهم الضمني للصحافة النسائية ، ومنهم الدكتور فاروق أبو زيد الذي ينطلق في مفهومة للصحافة النسائية لـ يشمل مجالين رئيسيين:
الأول :صفحات المرأة في الجرائد اليومية والمجلات العامة الأسبوعية أو الشهرية .
الثاني: المجلات المتخصصة في الشئون النسائية سواء كانت أسبوعية أو شهرية أو فصلية. (1)
أما الباحثة ناهد رمزي فترى أن الصحافة النسائية بمفهومها لا تشمل إلا النوع الثاني الذي ذكره أبو زيد وهو المجلات المتخصصة . تقول رمزي: المقصود بالصحافة النسائية مجموعة الصحف الموجهة أساسا إلى المرأة وذلك بحكم السياسة المعلنة للقائمين على هذه الصحف (2)
وترى الدكتورة إجلال خليفة أن مصطلح الصحافة النسائية لا يشمل صفحات المرأة في الصحافة العامة أيضا. إذ تقول: أن الصحافة التي ملكتها النساء أو تكتب فيها لا نساء وتناولت الأمور السياسية أو الأمور العامة التي لا تتصل بقضايا المرأة وشئونها ولا باحتياجاتها الإعلامية ... (3)
وتعتبر أن ظهور صفحات المرأة في الصحافة العامة كان تمهيداً لظهور الصحافة النسائية .(4)
وبمقارنة الآراء السابقة فإنني لا أتفق مع المفاهيم المطروحة فهي بمصطلح (نسائية) تحدد المفهوم العام للصحافة وفي مقابل ذلك اسأل . لماذا لا يستعمل مصطلح آخر هو (الصحافة الرجالية ).؟ علما ًبأنني سأضطر في ورقتي هذه إلى التعامل مع مصطلح (الصحافة النسائية) تبعاً للسائد ودون إيمان مني أو اقتناع به . إذ أنني أعتقد أن النظرة إلى الصحافة لا بد أن تتجاوز جنس كاتبها إلى عمله المكتوب.

عوامل تأخر ظهور الصحافة النسائية في المملكة :
تعددت عوامل تأخر ظهور الصحافة النسائية في المملكة ومنها :
أولاً: التعليم: يعتبر تأخر ظهور التعليم عاملاً رئيسياً في تأخر ظهور الصحافة النسائية في العالم العربي. وفي المملكة أيضا باعتبارها جزاء من ذلك العالم . والمرأة لم تبدأ تعليمها إلا بعد عام 1380هـ (1960م) ، ولذلك "لم تبدأ نشاطها في خطواته الأولى عن طريق الصحافة على شكل زوايا لا نستطيع أن نقول بأنها ثابتة. لكنها في مرحلتها الثانية ، تحولت إلى أركان ثابتة .5
ولعل من المناسب أن نفرق بين الصحافة النسائية السعودية التي كتبت بأقلام كاتبات عربيات قدمن إلى بلادنا في مرحلة مضت بهدف تعليم بناتنا وأجيالنا الأولى وساهمن بالكتابة في صحافتنا . وبين أقلام نسائية سعودية لم تتعلم بعد أبجدية تكتب بها أفكارها ، ولعل هناك أقلاما نسائية سعودية ابتعثها أسرها المثقفة إلى الخارج للدراسة أو نالت تعليما عاليا وثقافة رفيعة نظرا لابتعاث أسرها هناك ، وهو ما هيأها لخوض واثق لمجال الصحافة. وبالإضافة إلى تأخر التعليم ، فإن هناك شحاً واضحا في مصادر المعرفة وضعف الاحتكاك بالآخر وثقافته . وقد يكون لقلة الإطلاع والتزود المعرفي علاقة بقلة توافر المكتبات في تلك الفترة من تاريخ الصحافة السعودية ، وبخاصة ف بالمنطقة الوسطى.
ثانياً: المجتمع :
بما أنه هناك خلط قائم في تلك الفترة التاريخية بين العادات والتقاليد وبين مبادئ الدين الحنيف الذي أعز المرأة ورفع شأنها ، فإنه بدا واضحا حرص الأسرة على عدم إعلان اسم الأنثى ومن جهة أخرى فإن إشغال بعض المؤهلات للقيام بذلك الدور بالأعباء الأسرية بعد زواجهن. وكذلك عدم تشجيع الأزواج لهن لمواصلة مواهبهن في الكتابة والتعاطي معها أدى إلى توقفهن عن الكتابة ، وبالتالي تأخر تحرك المرأة نحو خطوة جديدة في امتهان العمل الصحافي.
ثالثاً: موقف بعض المؤسسات ذات العلاقة :
كان موقف بعض المؤسسات ذات العلاقة مما يكتبه القلم النسائي موقفا سلبيا ، ومن أبرزها المؤسسات الإعلامية ، حيث أنها لم تساهم في إيجاد شخصية اعتبارية للصحافية السعودية، إضافة إلى عدم تشجيع الصحافية مادياً ومعنوياً مقارنة بتشجيعها الصحافي وما تقدمه له من مغريات وحوافز ، حيث أنها لم تكن تمنح الصحافية أجراً ثابتاً لقاء ما تكتب وتعمل .
وما سبق كان إشارة إلى بعض العوامل التي ساهمت في تأخر ظهور قلم المرأة السعودية وفاعليته.

معوقات عمل المرأة السعودية في الصحافة :
أولا ً: النظرة الاجتماعية وتأثيرها :
يعتبر موقف المجتمع السعودي احد المعوقات الأساسية التي تواجه الصحافية ولا ينكر دارس ما للنظرة الاجتماعية المحافظة من تأثير في عقل ووعي الصحافية السعودية كامرأة، ولم يزل يُرى في الحوار الصحافي الذي تجريه الصحافية مع رجل استهجانا معه تتعرض الصحافية لمقصلة النقد والتقريع ، ما أثر في مقدار عطائها ، وبالتالي اقتدارها وكفاءتها ، وتلك النظرة الاجتماعية أعاقت مسيرة الصحافية السعودية ، ولم تزل تحد بعض طموحاتها الإعلامية وذلك ما أثقل كاهلها شيئا فشيئاً .
ثانياً: المؤسسات الصحافية :
1- نظرة المسئولين في المؤسسات الصحافية إلى عمل الصحافية :
أثرت النظرة الاجتماعية وردود فعلها المنتقدة للصحافية في وعي المسئولين عن الصحافة المحلية ، فقلصوا بدورهم من المكانة المرموقة التي تستحقها لا صحافية السعودية ، ومن فاعلية دورها الإعلامي وما تبتغيه لعطائها ، وبالرغم من نقص اقتدار بعض المسئولين في حصافتنا فهم لا يمنحون الصحافية السعودية حتى وإن كانت مديرة تحرير في صحيفتها حق اصنع القرار أو اتخاذه وتنفيذه . ونظرا لما أحاطتها به المؤسسات الصحافية من نظرة فالصحافية السعودية لم تتمكن من الخروج كما ينبغي لها إلى ساحة العمل الميداني والتواجد في مختلف المجالات الإعلامية الممكنة . وهو ما نال من اقتدار الصحافية ومن تمكنها لحواري والتحريري مع ما كانت تبذل من اجتهاد في تعويض ذلك القصور بوسائل شتى لإكساب الهدف. ولم يكن لمسئولي المؤسسات الصحافية التي تعمل لديها ابد في تطوير مهارة الصحافية السعودية. بل تفوقت الصحافية بجهد ينبع من شغف ذاتها وتعلقها بالمهنة. وقد ظلت الصحافية السعودية تواجه دائماً وحتى ألان بتفضيل بعض مسئولي المؤسسات الصحفية الصحافية التي تعمل دون مقابل. وإن لم تكتسب الخبرة ولكنها تطلب مردودا ماديا لقاء ما تؤديه من عمل.
2- نظرة زملاء المهنة :

ولبعض المحررين ومن يعملون في المؤسسة الصحفية ذاتها التي تعمل فيها الصحافية السعودية دور في تثبيط حماسها وإضعاف مدى سعيها وإمكانية ملاحقتها للخبر من مصادرة الأساسية والصحافية تقع في أحايين كثيرة فريسة بين يدي محرر أو مسئول لا يقدر جهدها وكفاحها، فيحبس مادتها في درج مكتبه أو يتناساها ، ما ينتج عنه أن يفتر ذلك الجهد الصحالفي وتموت من جرأته همتها المشتعلة تدريجيا.
ومن المحررين من يخالف نزاهة التعاطي مع المهنة ويطمع فيما قد يشكل سبقاً للصحافية ولجريدتها. ويسطو على خبرها أو مادتها ويجري اتصالاته بمصدر الخبر كي لا يتعرض لاشتباه السرقة ، لا ليجمع المعلومات ويثري الخبر، و ربما سعى كي يكتب اسمه أعلى الخبر قبل اسم الصحافية صاحبة السبق، ويسلك بعض زملائها في المهنة من الأمور ما يقصد به التقليل من مكانتها الفكرية والإنسانية.
3- عدم إشراك الصحافية في كيفية إحراج أعمالها :
وللصحافية يد وخيال يعملان معا في ذات اللحظة. بهما تسعى مخلصة أن تجمع شكل المعنى بمعنى مضمونه ، لكنها لا تمنح صلاحية اقتراح الكيفية التي يظهر بها موضوعها عند نشره واسلون تصورها الإخراجي. ولم يزل خيالها محبوسا في رأسها. ومخيلتها لم تزل خارج الخدمة. وإهمال ما تتمتع به الصحفية من قدرة إخراجية متميزة. ونحن في عصر الحاسوب الذي يسهل أسلوب التعامل والتبادل السريع بين الصحافية وقسم الإخراج في صحيفتها التي تعمل فيها. وهو قصور يؤخذ على المؤسسات الصحفية ، مع أنه في معظم مؤسساتنا الإعلامية المعروفة تشارك الصحافية طاقم التحرير في ذات المبنى الذي تخرج منه الصحيفة وتطبع داخله. إلا أن صحافياتنا يشاهدن شكل وإخراج أعمالهن منشورة ويترقبن مفاجأتهن بها مثلهن في ذلك مثل قارئ صحيفتهن . وظل حقهن في حرية التعبير الشكلي وما يرينه مناسبا لإخراج أعمالهن مبخوسا ًفي مؤسساتهن.
4- الحقوق المادية والمهنية والفكرية :
لم تزل المؤسسات الصحفية غير حريصة على توفير المناخ والمكان والبيئة الصحية المفترضة لأداء الصحافية عملها. وكما لا يخفى علينا مقدار ما تبذله معظم الصحافيات المحليات ، من جهد مادي ومهني للوصول إلى مصدر معلوماتها ومادة موضوعها، وقد تتكبد كثيرا من الأعباء المادية لأجراء اتصالاتها والتنقل بين مواقع الحدث ومواكبته في ساعة مناسبة لمتطلبات نشره، مما يضطرها لإنفاق معظم مرتبها الشهري أو مكافآتها المقطوعة على ذلك ، والحقيقة أن مؤسستها لا تتكفل بتوفير ذلك لها أو تعوضها عنه ، وهذا مما يعوق استمرار ملاحقة الصحافية لمصادرها غالبا، وتعزيز مادتها بما يعززها من معلومات وحقائق، وهو أمر له علاقته بالصحافية دون الصحافي وخصوصيته. وطبيعي أن لا تواجه هذه المعضلة الصحافي بذات المستوى والقدر ، وهو ما آمل مراعاته في نظام هيئة الصحفيين، فليس الصحافي بحاجة لوسيط يستعين به ليصل إلى مادة موضوعه وما ينبض به الخبر من متغيرات لا تتوقف عن ثوانيها اختلاف أحداثها ومستجداتها، وما يؤسف له شعور الصحافية المستمر بإجحاف الوظيفي داخل مؤسستها، وهو ما يدعوها للتنقل بين المؤسسات الصحفية بحثا عن أكثرها تحقيقا لحوافزها.
5- عدم تقدير جرأة الصحافية السعودية أو تشجيعها وتوجيهها.
6- تأطير المجالات التي تتناولها الصحفية السعودية:
والواقع انه مازالت هناك مجالات من العمل الصحافي لم يخضها قلم المرأة السعودية مثل الرياضة وبعض مجالات الاقتصاد والتجارة والتسويق والدعاية والإعلان ، والشئون السياسية والتحليل السياسي وفن الكاريكاتير على اختلاف أنماطه.
7- عدم مرونة المؤسسات مهنيا :
والصحافية السعودية كونها تعمل نهاراً ، وتذهب إلى تغطية مناسبات أخرى تقام مساءً ، فإن جهدها هذا لم ينل بعد كفايته من التقدير، فالصحافية تلزم بالحضور باكراً إلى صحيفتها وتغطية مشاركة أخرى قبل أن تكمل ما سبق من تغطيتها، مما يؤثر سلبيا في مقدار مصداقية الصحافية نحو حسها المهني ومدى احترامها لعملها. ومن عواقب ذلك انه قد تفوح موضوعات عدة برائحة واحدة، وتبدو باهتة بسبب تشابهها.
8- سوء تنسيق العمل بين ميداني ومكتبي:
وتوزيع مهام العمل الميداني والمكتبي ، مع أهميته لمهنة الصحافية يشكل عيبا في بعض المؤسسات الصحفية ولا تنتبه إليه، وإعفاء الصحافية من الخوض في عمل صحافي ما ، و
تأطير مهاراتها بمجال دون سواه ليس في صالح الصحيفة ولا في مصلحة الصحافية ، وعدم توزيع المهام بين الميداني والمكتبي لا يكسبها مراسا مهنيا أو حرفية في التعاطي مع شتى أشكال العمل الصحافي ، كصياغة خبر أو كتابة مقالة أو إعداد حوار أو تنسيق تحقيق أو إجراء دراسة أو تغطية مناسبة أو تحليل ندوة أو متابعة حدث ما.
ثالثا: موهبة دون دراسة:
لم يتسن لأي صحافية سعودية أن تدرس الإعلام محلياً ، وذلك لعدم وجود أكاديمية أو كلية أو معهد للصحافة في معظم مناطق المملكة ، مع العلم بأنه افتتح حديثا معهد خاص لإدارة الأعمال يدرس الصحافية لخريجات الثانوية العامة، هذا التخصص الذي ما زال مقصورا على البنين دون البنات في جامعاتنا.
رابعاً: تباين العلاقة بين جيلين من الصحافيات:
أصعب المعوقات التي تواجه الصحافية أحيانا، وتنطبق على وضع الصحافية السعودية أيضا، وهو أمر يؤسفني ويظهر في صورة واضحة من خلال العلاقة السلبية التي تواجه بها الصحافية الرائدة الصحافية الناشئة، وتعاملها بهذا الأسلوب المتعالي من الوقوف المضاد للصحافية الناشئة ! والبخل عليها بالرأي والتشجيع والاستماع والتوجيه والتفهم وربما التسلط.
خامساً: عدم تطوير الصحافية لقدراتها الإبداعية والفكرية والتقنية:
وتتطلب منا النظرة الموضوعية وحيادية الرأي والوقوف على ما عليه الصحافية من حال ضعف، حيث ساهم ثلة من الصحافيات في تأخر الصحافة النسائية عن مواكبة التطور الشامل للصحافة في بلادنا ، ولا شك أن وجود نقص في الكفاءات الصحفية النسائية ساهم في دخول بعض الكوادر غير المؤهلة للعمل في مجال الصحافة، وهذا هيأ لتواجد صحافيات ذوات مستوى فكري وثقافي وسلوكي دون المطلوب.
سادسا: جهل ادرات الأقسام النسائية التابعة للمؤسسات الصحفية بأبجديات إدارة العمل الصحافي ومتغيراته:
وهذه الإدرات في معظمها غير قادرة على صنع القرار أو ربما لا يحق لها تنفيذه، لأن ذلك بيد الرجال، ومن جهة أخرى فإن من الإدارات النسائية من يتسنى لها تطبيق العمل على أساس قاعدة أن الصحافية (تعمل لدي ، لا تعمل بمعيتي)؟؟ وهذا فهم سلبي لإدارة فريق.

هيئة الصحافيين السعوديين وحقوقهم:
وأجدها فرصة مناسبة لأنوه من خلالها بالقفزة الكبرى لصحافتنا وإعلامنا بصدور نظام هيئة للصحافيين السعوديين وهو ما تتطلع به الصحافيات السعوديات إلى مستقبل إعلامي تتكامل به مساعيهن من خلال إشراكهن في الرأي والمشورة وتبني مقترحاتهن في ما يخص حقوقهن داخل مؤسساتهن.