|
مملكة الحمم !!
ليل -
خاص
كوكب الزهرة هو الثاني في البعد عن الشمس
والأكثر غرابة ولغزاً بعد كوكب المريخ
وأطول خندق فضائي ينفرد كوكب الزهرة بامتلاكه
شبهه العلماء بالشقيق التوأم لوادي النيل على سطح الكرة
الأرضية .
هل المريخ كوكب يضج بالحياة.؟
لم يصدق العلماء
أعينهم من هول ما رأوه وهم الذين كانوا ولا
زالوا حتى بداية التسعينات ، يعتقدون انه من الكواكب الجامدة
منذ ولادته قبل ما يقرب من خمسة مليارات سنة . لكن لم يمض وقت
طويل حتى ظهر
إمامهم ما كان يعتبر سابقا من الأسرار
والأحجية
الفلكية، حيث استطاعت احدث
المساير الفضائية فك طلاسم ما عرف
بالغلاف بالجوي السميك الذي يحمي الزهرة من كثافة
الإشعاعات
الشمسية ، وشيئاً فشيئاً كشف الكوكب عن مفاتنه
أمام عدسات
المركبة"ماجلان".
في الحقيقة ، كان الشك يساور العلماء
الفضائيين فيما إذا كان
"الزهرة" يعتبر من الناحية
الجيولوجية من الكواكب
الناشطة
بالحياة، إلى
أن أنهى المسار"ماجلان" مهمته
الأولى التي هدفت
إلى وضع خريطة للمنظومة الشمسية، في
الخامس عشر من أيار-
مايو1997م فخلال 243 يوما من الدوران المتواصل حول الكوكب
والتقاط احدث الصور النموذجية ، بث المسبار آلاف الرسومات
المذهلة بجمالها والجديدة بمعلوماتها ، فأضحى الكوكب
بأكمله
تحت السيطرة تماما كما الأرض. وتسائل القيمون ولم يترددوا في
الاعتقاد، بأنه
إذا استطاعت هذه المهمة تحقيق كامل غايتها ،
فإنها ستكشف اللثام ، بالتالي، عن سائر المنظومة الشمسية.
كمية من الصور مذهلة،
استطاع رادار "ماجلان" بثها بعد اختراق
سماكة 350 كيلومترا من الغلاف الجوي المحيط
بالزخرفة والوصول
إلى ارتفاع عن سطح الكوكب لا يتجاوز المئة متر، معلومات هائلة
أثارت حماس العلماء والباحثين الفلكيين جمعتها
المركبة. وصور
شكلت كنزاً حقيقياً وفتحت البواب واسعة لمعرفة أسرار الزهرة
أكثر فأكثر، بالمقارنة مع سائر الكواكب السيارة وعلى الخصوص
الأرض.
نشاط غير عادي
افترض الاستنتاج
الأول الذي استخلصه الباحثون من المعلومات
الجديدة، أن سطح الزهرة قد عانى خلال عمره المديد من مرحلة
طويلة وصعبة من الألم والعذاب
أكثر من سطح الكواكب المعروفة
حتى اليوم. بمعنى آخر، بعد
أن ساد الاعتقاد سابقا بأن القشرة
السطحية المحيطة بالكوكب كانت هادئة نسبياً ، بالنظر الى
سماكتها التي كانت تقدر بـ 100 كيلومتر، يبدو
أنها تصدعت
وتراجعت سماكتها اليوم
إلى أقل من 30 كيلومترا وهذا ما يفسر
زجزد التضاريس البارزة. صدوع جيولوجية عملاقة، سلاسل
جبلية
متتالية،
إعداد هائلة من البراكين كلها تشير وبوضوح الى مدى
النشاط الداخلي غير العادي الذي عرفه "الزهرة" وما تبعه من
تبدلات بالقشرة السطحية، ساهمت بدورها في تاريخ المراحل التي
عاناها الكوكب،
وأجابت على السؤال الذي طال اللغط حوله بين
الباحثين في علوم الفضاء. هل ما زال "الزهرة" اليوم يحيا
نشاطاً غير عادي، أم أنه عرف هذا النشاط في مراحل تاريخية
سابقة.؟
سلسلة هامات من البراكين
أجابت المعلومات التي
أصبحت اليوم بحوزة العلماء ، على نسبة
هامة من التطورات التي عاشها الزهرة. فبعد
أن غطت خرائط عام
1997 ما مساحته 60% من القشرة
السطحية للزهرة- وهذا ما
أنجزته
بالفعل المرحلة الثانية التي تم انجازها في الخامس عشر من
كانون الثاني – يناير 1997 كشفت ، فضلا عن المعلومات
الأولى ،
عن وجود سلسلة هامة من
الشقوق وشبكة معقدة من الانكسارات ،
كذلك أشارت الى ان سطح الزهرة كان خاضعا لسلسلة من البراكين
النادرة في مفعولها الجبار، فبدا وكأنه مستودع لاحتياطات هامة
من الحمم، شغلت مساحته 80% من الكوكب، مزّقت السهول الشاسعة
إلى أثلام مجوفة بالحمم الجارفة . وكشف
المسار في مرحلته
الثانية أيضا عن فجوات
نيزكيه موغلة في القدم ارتوت وتشبعت
بسيول حمم ، خرجت من
الأعماق وشقت فيها
جروحا ترشح دما ، فبدت
فجوات الزهرة على مثال المستنقعات العملاقة : لكنها ليست
راكدة ، بل ترشح دوما بالحمم المتصاعدة من باطن الكوكب
وأحشائه.
أذن ، وفي غمرة هذا اللغط المثار حول التطورات التي يحياها
الزهرة يبدو
أن سؤالا ما قفز فجأة
إلى الأذهان : هل حمم الزهرة
اليوم خامدة
أم ما زالت ترشح من
الأعماق.؟
بفضل الدقة المتناهية التي تميّز بها رادار "ماجلان" فقد
استطاع المسير الفضائي
أن يحدد بعض عناصر الجابة . وقد بلغت
هذه الدقة حد التمييز بين سهول الزهرة من بعض مرتفعاته حتى ولو
تجاوزت بضعة سنتيمترات . او بمعنى آخر، كان بمقدور رادار
"ماجلان" ان يفرق بين الأرض المغطاة بالرمال ، والغبار المنثور
هنا وهناك وبقايا من حصى دقيقة الحجم. ولا شك بأن هكذا تطور
بتقنية متقدمة ، تتيح من ناحية
أخرى المعرفة
بالدقيقة لمصادر
مختلف النماذج المكونة للحمم
البركانية ، وبالتالي تحديد جميع
انواع المواد اللزجة وتركيبها
الكيماوي: تحديد الحمم الثقيلة
من الحمم اللزجة، والكشف كذلك عن نوعية هذه الحمم التي تسيل
بصورة أسرع من مجاري المياه التي تتفجر من سفوح جبال الأرض.
جبل موآت
وضمن هذا السياق من التقدم التكنولوجي ، لم يبق سوى شيء واحد،
او خطوة واحدة نجح العلم بالقيام بها ، وذلك بالكشف الكامل
لسطح الزهرة من جميع جوانبه، وبالتالي الوصول اليوم
التي تحديد
المكان المفترض للبراكين الناشطة .
ولا غرو أن المسبار الفضائي ، كان قد
أماط اللثام- خلال مرحلته
الثانية من وضع الخرائط للزهرة، وبالاستناد
إلى المعلومات
القديمة – عن ما يسمى بجبل "موآت" الذي يناطح التسعة آلاف متر
من سطح الكوكب ، لكنه من ناحية
أخرى لم يتوصل للكشف عن قمم
أخرى أكثر ارتفاعا محصورة ضمن سلسلة ما يعرف بجبال" ماكسويل".
والسبب في ذلك
إعادة العلماء إلى ارتفاعها الذي يفوق العشرة
آلاف متر، بحيث تنعكس هذه الارتفاعات بحدة على مواجات الرادار
وتظهر على شاشته كصفحة بيضاء ساطعة جدا، وبمقاييس ثلاثية
مختلفة. ويبدو ان السبب في ذلك
أيضا يعود إلى نوعية صخور
الكوكب وحممه التي تصطدم بجو الزهرة المكثف بثاني اوكسيد
الكربون والمستعمر دائما بحرارته ،
ويكفي بهذه الحالة مرور
عشر سنوات فقط حتى تتحول تلك الصخور الى مواد آزوتية ككبريت
الحديد مثلا التي تسبب
انعكاسا حادا على شاشة الرادار ، فتبدو
مشوشة وغير واضحة المعالم. من هنا يبدو
أيضا أن شكل جبل موآت
وارتفاعه يشيران بوضوح الى حالته البركانية الحالية. وفي هذا
الإطار يؤكد العلماء
أن الجبل عرف انفجارا حديثا يعود
إلى أقل
من عشر سنوات.
ومهما يكن من
أمر ، فإن "جبل آموت" – حسب
إجماع العلماء – وما
يطلقه من حمم لاهبة، يشكل العامل التضاريسي الهام والوحيد
لتصنيف الزهرة ضمن ذات الرتبة من الكواكب التي تضم الأرض
واقمار الكوكبين المشتري ونبتون، أي تلك الرتبة التي تضم
الكواكب ، التي كانت في فترات زمنية موغلة، ناشطة بالانفجارت
البركانية.
أطول خندق فضائي
من أهم الاكتشافات التي رافقت المرحلة الثانية من مهمة
"ماجلان" هو وقوعها على ما يمكن تصنيفه بأطول خندق في المنظومة
الشمسية، فأطول خندق فضائي ينفرد كوكب الزهرة في امتلاكه ،
يتراوح طوله بين 600 و 800 كيلو متر، مع عرض ثابت لم يتجاوز
الكيلو متر الواحد ونصف الكيلو متر، وهو بهذه المزايا شبهه
العلماء بالشقيق التوأم لوادي النيل على سطح الكرة الأرضية. |