|
***
................................
ابو جهل يشتري (فلي ت
ستريت)
ابو جهل يشتري (فليت ستريت) نزار قبّاني هل اختفت
من لندن؟
باصاتها الجميلة الحمراء وصارت النوقُ التي جئنا
بها من يثرب واسطة الركوب في عاصمة الضباب؟
تسرّب البدو إلى قصر بكنغهام وناموا في سرير
الملكة والانجليز، لملموا تاريخهم... وانصرفوا..
واحترفوا الوقوف -مثلما كنا- على الأطلال...
ها هم بنو تغلب.. في (سوهو) وفي (فيكتوريا)...
يشمرون ذيل دشداشاتهم ويرقصون الجاز...
هل أصبحت انجلترا؟ تصحو على ثرثرة البدو..
وسيمفونية النعال؟ هل أصبحت انجلترا؟ تمشي على
الرصيف، بالخِفِّ... وبالعقال؟
وتكتب الخط من اليمين للشمال.. سبحانه مغير
الأحوال!!
عنترة ... يبحث طول الليل، عن رومية بيضاء
كالزبد.. أو مليسة الفخذين .. كالهلال يأكلها
كبيضة مسلوقة من غير ملح - في مدى دقيقة-
ويرفع السروال!! لم يبق في الباركات.. لا بط، ولا
زهر، ولا أعشاب قد سرح الماعز في ارجائها وفرت
الطيور سمائها وانتصر الذباب ..
ها هم بنو عبس.. على مداخل المترو يعبون كؤوس
البيرة المبردة.. وينهشون قطعة.. من نهد كل سيدة..
هل سقط الكبار من كتابنا في بورصة الريال؟ هل
أصبحت انجلترا عاصمة الخلافة؟
وأصبح البترول يمشي ملكا.. في شارع الصحافة؟
جرائد.. جرائد.. جرائد.. تنتظر الزبون في ناصية
الشارع،
كالبغايا.. جرائد، جاءت الى لندن، كي تمارس
الحرية.. تحولت -على يد النفط- إلى سبايا.. جئنا
لأوروبا.. لكي نشرب من منابع الحضارة جئنا.. لكي
نبحث عن نافذة بحرية من بعدما سدوا علينا عنق
المحارة جئنا.. لكي نكتب حرياتنا من بعد ان ضاقت
على أجسادنا العبارة لكننا.. حين امتلكنا صحفا،
تحولت نصوصنا إلى بيان صادر عن غرفة التجارة..
جئنا لأوروبا لكي نستنشق الهواء جئنا.. لكي نعرف
ما ألوانها السماء؟ جئنا.. هروبا من سياط القهر،
والقمع، ومن أذى داحس والغبراء.. لكننا.. لم نتأمل
زهرة جميلة ولم نشاهد مرة، حمامة بيضاء وظلت
الصحراء في داخلنا.. وظلت الصحراء.. من كل صوب..
يهجم الجراد ويأكل الشعر الذي نكتبه.. ويشرب
المداد من كل صوب.. يهجم (الايدز) على تاريخنا
ويحصد الأرواح، والأجساد من كل صوب.. يطلقون نفطهم
علينا ويقتلون أجمل الجياد.. فكاتب مدخن.. وكاتب
مستأجر.. وكاتب يباع في المزاد هل صار زيت الكاز
في بلادنا مقدسا؟ وصار للبترول في تاريخنا، نقاد؟
للواحد الأوحد.. في عليائه تزدان كل الأغلفة وتكتب
المدائح المزيفة.. ويزحف الفكر الوصولي على جبينه
ليلثم العباءة المشرفة.. هل هذه صحافة.. أم مكتب
للصيرفة؟ كل كلام عندهم، محرّم كل كتاب عندهم،
مصلوب فكيف يستوعب ما نكتبه؟ من يقرأ الحروف
بالمقلوب!! على الذي يريد أن يفوز في رئاسة
التحرير.. عليه .. أن يبوس ركبة الأمير .. عليه..
أن يمشي على أربعة كي يركب الأمير!! لا يبحث
الحاكم في بلادنا عن مبدع.. وإنما يبحث عن أجير..
يعطي طويل العمر.. للصحافة المرتزقة مجموعة من
الظروف المغلقة.. وبعدها.. ينفجر النباح..
والشتائم المنسقة.. ما لليساريين من كتابنا؟ قد
تركوا (لينين) خلف ظهرهم وقرروا.. أن يركبوا
الجمال!! جئنا لأوروبا.. لكي ننعم في حرية التعبير
ونغسل الغبار عن أجسادنا ونزرع الأشجار في حدائق
الضمير فكيف أصبحنا، مع الايام، طباخين.. في مضافة
الاسكندر الكبير؟؟ كل العصافير التي كانت تشق زرقة
السماء، في بيروت.. وتملأ الشجار والبيادر.. قد
احرق البترول كبرياءها وريشها الجميل.. والحناجر..
فهي على سقوف لندن.. تموت.. يستعملون الكاتب
الأخير.. في أغراضهم كربطة الحذاء.. وعندما
يستنزفون حبره.. وفكره.. يرمونه في الريح،
كالأشلاء.. هذا له زاوية يومية.. هذا له عمود..
والفارق الوحيد, فيما بينهم طريقة الركوع..
والسجود.. لا ترفع الصوت.. فآنت آمن ولا تناقش
أبدا مسدسا.. أو حاكما فردا.. فأنت آمن.. وكن بلا
لون، ولا طعم، ولا رائحة.. وكن بلا رأي.. ولا قضية
كبرى.. فأنت آمن.. واكتب الطقس، وعن حبوب منع
الحمل -إن شئت- فأنت آمن.. هذا هو القانون في
مزرعة الدواجن.. كيف ترى، نؤسس الكتابة؟ في مثل
هذا الزمن الصغير والرمل في عيوننا والشمس من
قصدير والكاتب الخارج عن طاعتهم يذبح كالبعير..
أيا طويل العمر: يا من تشتري النساء بالأرطال..
وتشتري الأقلام بالأرطال.. لسنا نريد أي شيء منك..
فانكح جواريك كما تريد.. واذبح رعاياك كما تريد..
وحاصر الأمة بالنار.. وبالحديد.. لا احد.. يريد
منك ملكك السعيد.. لا احد يريد أن يسرق منك جبة
الخلافة.. فاشرب نبيذ النفط عن آخره.. واترك لنا
الثقافة
|